عبد القادر الجيلاني

38

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

الفقراء » « 1 » ، وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « الفقر فخري » « 2 » ، والمراد من الفقر الفناء في اللّه ، لا يبقى في نفسه لنفسه شيء ، ولا يسع في قلبه غير اللّه وحبّه كما قال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ : « لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن » « 3 » - أي : المؤمن الّذي صفا قلبه من الصّفات البشريّة ، وخلا من الأغيار فوسع الحقّ جلّ جلاله في قلبه بالعكس . قال أبو يزيد البسطاميّ قدّس اللّه سرّه : لو أنّ العرش وما حواه ألقي في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحسّ به ، فمن أحبّ هؤلاء المحبّين فهو معهم في الآخرة ، وعلامة حبّهم حبّ صحبتهم ، والاشتياق إلى اللّه ولقائه كما قال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ : « ألا طال شوق الأبرار إلى لقائي ، وإنّي لأشدّ شوقا إليهم » « 4 » . وأمّا لباسهم فعلى ثلاثة أوجه : صوف الغنم للمبتدىء ، وصوف المعز للمتوسّط ، وصوف المعز للمنتهي وهو الصّوف المربّع . قال صاحب تفسير المجمع : يليق بالزّهاد كلّ خشن من الملبس والمطعم والمشرب ، لأنّهم أهل الابتداء . ويليق بالعرفاء الواصلين كلّ ليّن منها . فعمل المبتدىء متلوّن بالحميدة وبالذّميمة . وعمل المتوسّط متلوّن بألوان الحميدة مثل نور الشّريعة والطّريقة والمعرفة ، فلباسهم متلوّن مثل البياض والزّرقة والخضرة . وعمل المنتهي خال عن الألوان كلّها مثل نور الشّمس ، فنورها لا يقبل الألوان ، وكذا لباسهم لا يقبل الألوان مثل السّواد ، وهو علامة الفناء ، وهو نقاب نور معرفتهم كما أنّ اللّيل نقاب نور الشّمس ، وقد قال اللّه تعالى : . . . يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ . . . [ الأعراف : الآية 54 ] ، وكما قال اللّه تعالى : وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً ( 10 ) [ النّبأ : الآية 10 ] وفيه إشارة لطيفة لمن له لبّ . وأيضا يكون أهل القربة في الدّنيا في سجن وغربة وغمّ وغصّة ومحنة وشدّة وظلمة كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « الدّنيا سجن المؤمن » « 5 » .

--> ( 1 ) لم أقف عليه بهذا اللفظ ، وروى ابن ماجة نحوه ( 4121 ) . ( 2 ) رواه الديلمي في الفردوس ( 2399 ) بنحوه . ( 3 ) أورده العراقي في المغني عن حمل الأسفار ( 3 / 15 ) وقال : لم أرد له أصلا ، ورواه أحمد في الزهد ( ص 103 ) عن وهب بن منبه نحوه . ( 4 ) رواه الديلمي في الفردوس ( 5 / 240 ) ، وذكره الفتني في تذكرة الموضوعات ( ص 196 ) . ( 5 ) رواه مسلم ( 4 / 2272 ) ، والحاكم ( 3 / 699 ) ، وابن حبان ( 2 / 463 ) .